زويل وجدو

حين نال نجيب محفوظ جائزة عالمية (نوبل في الآداب)، لم تخرج الجماهير إلى الشوارع، ولا رفعت الأعلام في الميادين، ولا أطلقت السيارات أبواقها تعبيرا عن الفرح، ولا تبارى المؤلفون والملحنون والمغنون في إنتاج موجة تستعصي على الحصر من الأغاني تماشيا مع هذا الحدث المهم، ولم يحدث هذا أيضا مع حصول أحمد زويل على جائزته العالمية أيضا والمرموقة (نوبل في الكيمياء)، لكنه حدث وبإفراط فائق حين فاز منتخب مصر بكأس (القارة الأفريقية)، فبات اللاعبون محمولين على الأعناق وبات اسم «جدو» يتردد على الألسنة، ربما بأكثر مما كان يحلم به نابليون بونابرت والإسكندر المقدوني وهانيبال، وبقية سلسلة الفاتحين الكبار في التاريخ.
إلى هذه الدرجة لا تهم إبداعات ولا مثابرة نجيب محفوظ، بقدر ما تدفع قدم لاعب كان مغمورا، إلى النزول في الشوارع والاحتفاء حتى الصباح، وفي نفس الأسبوع يتضاءل إنجاز زويل المرشح لجائزة ثانية (نوبل في الطب)، كما تتضاءل إنجازات العشرات غيره، أمام كأس من الذهب الأصفر.
لا أحد يحجر على الفرح، ولا أحد يدّعي أن ما جرى في أنغولا لم يكن إنجازا، لكن يجب أن توضع الأمور في أحجامها، فمن غير المعقول أن ترسل هذه الاحتفالات الصاخبة رسالة إلى الأجيال الجديدة مفادها أن العالم، ولا حتى الأديب مهما بلغت درجة نبوغه، فإنه لن يحظى بنفس الدرجة التي يحظى بها لاعب كرة القدم، رسالة تقول إنه لا تعنينا المقاييس المتعارف عليها لتحضّر الأمم، والتي تعتمد على المدى الذي يبلغه الاهتمام لديها بتنمية الآداب والثقافة وتشجيع العلم ورعاية العلماء وتوفير المناخ لهم ليبدعوا ويرفعوا اسم الأوطان، فمن غير المعقول أن يصبح التفوق الكروي وحده، هو محط اهتمامنا ومبلغ رعايتنا.
هل نحن بحاجة إلى ضرب أمثلة؟ من المؤكد أن الأمر لا يحتاج، فإسرائيل التي لم يعنها التفوق في كرة القدم، أكبر مثال على الاهتمام بالعلم والإصرار على تحقيق إنجازات في البحث العلمي والانطلاق عبره إلى التفوق علينا في مجالات متعددة.
لا أحد يصادر الفرح، لكن الأوطان في النهاية لا تبنيها الأقدام ولا يرفع مكانتها الهوس الزائد عن حده باللاعبين، ليس الأمر هكذا، ولا يحدث ذلك حتى في البرازيل التي وإن كانت صاحبة صناعة كروية ثقيلة، إلا أنها في النهاية، أصبحت واحدة من أهم الدول الصناعية، وثامن أكبر اقتصاد على مستوى العالم، وواحدة من أهم القوى الرئيسية على الساحة العالمية حاليا حتى باتت على وشك الحصول على عضوية دائمة في مجلس الأمن إن تم تعديل نظامه الأساسي، لم تكتف بالكرة وإنما اتجهت إلى بناء قوتها الذاتية، اهتمت بالصناعة وبالآداب والعلوم، بنفس درجة اهتمامها بالكرة، لذلك خرج من أرضها إلى جانب بيليه وروماريو ورونالدو وكاكا وزيكو ورونالدينهو، روائيون ذوو قامات سامقة في الأدب العالمي من أبرزهم خورخي أمادو وباولو كويليو، في نفس الوقت الذي أنتجت الطائرات والسيارات، كما أنها استطاعت خلال سنوات قليلة تحقيق الاكتفاء الذاتي، قبل أن تتجه إلى التصدير في مختلف المجالات، إلى درجة التوقع أنه بحلول العام 2040 سيصبح اقتصاد البرازيل أكبر من اقتصاد ألمانيا واليابان معا، ثم من قبل كل ذلك تفلح في تحقيق إنجاز أكبر ربما كان أهم من بطولات كأس العالم، وهو القضاء التام على الفقر والتشرد.
لا أحد يكره الفرح حتى لو جاء من الكرة، لكن من غير المعقول أن يلهينا هذا عن واقعنا الذي هو في حاجة أشد إلى إنجازات في مجالات أبقى للأوطان، في توق إلى مناخ يحتضن الإبداع ويهيئ له التربة الصالحة للنمو والتفوق، وبغير ذلك لن تنفعنا الكرة حتى لو حصلنا على كأس كؤوس الدنيا.
هل هذا الكلام ثقيل الدم؟ ربما، ففي غمرة الفرح، يصبح عدم مجاراة الموجة، فعلا غير مرغوب فيه، غير أنه في النهاية لابد من القول بأن الفرح مهم، لكن ذلك يجب ألا يتحوّل الى جرعة مخدر تساهم في إغماض العيون عن واقع غير مبهج، وعن مستقبل باتت تدور حوله التساؤلات.
|
|



















علِّق